أطروحة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الجنائي حول موضوع الرضائية في المواد الجنائية
تحمد العدالة الجنائية في صورتها الكلاسيكية النمطية، في علاقة بين طرفين غير متكافتين: الدولة بأجهزتها الردعية المختلفة، وما تملكه من وسائل القهر والإجبار، والجاني بوزيرة التقيل الذي يحتم عليه الخضوع والإذعان لما تمليه عليه هذه الأجهزة، فعنصر اللامساواة بين الخصوم الذي يقوم عليه القضاء الجنائي، والذي يتحلى ويترجم في جميع مراحل الدعوى العمومية، هو الضمالة الأساسية الحبيبة القانون الجنائي بأوامره ونواهيه . فمنذ اللحظة التي يحمل فيها الشخص صفة المتهم، أو حتى مجرد مشتبه فيه ، يصبح عرضة المجموعة من الإجراءات والتدابير القسرية، التدرج خطورة وصرافة بحسب الجرم المرتكب، ولكنها في محملها تهدف إلى الكشف عن الحقيقة الجنائية ليس بمشاركة المتهم، أو بمساعدته، وإنما من خلاله. لذلك يعتبر المتهم دائما الطرف السلبي في الرابطة العقابية .
رابط التحميل أسفل التقديم:
مقدمة
تحمد العدالة الجنائية في صورتها الكلاسيكية النمطية، في علاقة بين طرفين غير متكافتين: الدولة بأجهزتها الردعية المختلفة، وما تملكه من وسائل القهر والإجبار، والجاني بوزيرة التقيل الذي يحتم عليه الخضوع والإذعان لما تمليه عليه هذه الأجهزة، فعنصر اللامساواة بين الخصوم الذي يقوم عليه القضاء الجنائي، والذي يتحلى ويترجم في جميع مراحل الدعوى العمومية، هو الضمالة الأساسية الحبيبة القانون الجنائي بأوامره ونواهيه .
فمنذ اللحظة التي يحمل فيها الشخص صفة المتهم، أو حتى مجرد مشتبه فيه ، يصبح عرضة المجموعة من الإجراءات والتدابير القسرية، التدرج خطورة وصرافة بحسب الجرم المرتكب، ولكنها في محملها تهدف إلى الكشف عن الحقيقة الجنائية ليس بمشاركة المتهم، أو بمساعدته، وإنما من خلاله. لذلك يعتبر المتهم دائما الطرف السلبي في الرابطة العقابية .
ولعل هذا التمثيل، وهذه النظرة للمرابطة التي ينظمها القانون الجنائي بين الدولة، والمخالفين لناموسها ليست عبثية بل هي تجلي لواقع يؤمن بأن من سولت له نفسه التجرأ على قواعد النظام الإجتماعي، والإنزلاق إلى قعر الجريمة، لا يملك بعد ذلك سوى التسليم لما سيوقع عليه من المجتمع الذي تمرد على أحكامه، والإنصياع لما سيملى عليه من طرف ممثليه، في سبيل التكفير عن زلته.
وإذا كان هذا هو حال المتهم، أو المحكوم عليه في مواجهة أجهزة الدولة في الفعال الجنائي فإن المعني عليه، وبالرغم من أنه لم يرتكب ما يستوجب الإستنكار والإستهجان، بل هو أحدر بالتعاطف والإهتمام، إلا أنه وفي مضمار العدالة الجنائية، يجد نفسه هو الآخر في مواجهة الدولة التي نصبت نفسها مكانه، باعتبارها المغني عليه الأول في آية جريمة ترتكب فالجريمة أيا كان نوعها ومهما كانت جسامتها لا تعتبر إعتداء على الأفراد الذين مستهم بصفة مباشرة في أرواحهم، أو أجسادهم، أو أموالهم. وإنما هي مساس بأركان الدولة ، وتقويض الأسها، وهكذا ساهمت بلورة فكرة الجريمة العامة التي جاءت على أنقاض فكرة الجريمة الخاص السائدة في القدم - في تقليص المساحة المخصصة للضحية، بل وفي إزاحتها تماما من دائرة النزاع الجنائي.
وهكذا قامت العدالة الجنائية على أحادية وعمومية التسيير والإدارة، مقصية و مستبعدة أي دور للمساهمة الخاصة سواء للمتهمين، أو للضحايا و قد كرس القانون الجنائي بشقيه الموضوعي والشكلي هنه النظرة، فنظم أحكامه بقواعد أمرة لا تقبل سوى التطبيق بالإدمان لها والتسليم لها طوعا أو كرها .
وقد ظل القضاء الجنائي يدار على هذا النحو من الآلية والجمود العقود، إلا أن ذلك لم يورثه سوى السخط، وعدم الفاعلية فمرت العدالة الجنائية في سنوات التسعينات بأشد مراحلها تأزماء وأكثر أطوارها إخفاقا ، فبالرغم من تجديد الدول الجميع الإمكانيات المادية والبشرية في سبيل النهوض هذا القطاع، إلا أن مشكلة هذا الأخير لم تكن مادية كمية، بقدر ما كانت معنوية نوعية .
فأصبحت العدالة الجنائية تحتاج إلى نفس جديد يبعث فيها نوعا من النجاعة، ويقربها أكثر من ضمير ووجدان المجتمع، ففاعلية العدالة تقاس بمدى تقبل الأفراد لها، ومدى إرضائها لشعورهم الغريزي بالعدل، وكيف يتأتى ذلك والدولة تحكم قبضتها عليها وتدير دواليبها بأحادية وجمود .
هذا ما دعا الفقه الجنائي إلى رد أزمة العدالة الجنائية ، وما تعانيه من فقدان للنجاعة والمصداقية إلى إقصاء دور الخواص من المساهمة في تحقيقها ، وقيامها على قواعد موضوعية وشكلية تكرس أفكار الإرغام والإكراد، أكثر من قيامية على أسس المشاركة، والإختيار، وهكذا ظهر طرح جديد يدعو إلى أن تكون العدالة الجنائية رضائية بدل أن تكون قسرية حبرية .
التعريف بالموضوع :
مما سبق يظهر لنا بأن موضوع هذا البحث والمتعلق بدراسة الرضائية في المواد الجنائية، إنما هو ترجمة لطرح جديد، ورؤية فريدة للعدالة الجنائية المعاصرة، القائمة على إعطاء مساحة أوسع، ودور أكبر للخواص على إختلاف مراكزهم القانونية مشتبه فيهم، متهمين، محكوم عليهم، ضحايا مضرورين، وإقحامهم في تسوية النزاع الجنائي، لإيجاد أفضل وأنسب حل له .
وقد بدأت الثورة على الآليات التقليدية لإدارة العدالة الجنائية بجدية في أواخر التسعينات وبداية الألفية الثالثة، وكان من بين الأفكار النبيرة التي تمت الدعوة إليها فكرة العدالة الجنائية التصالحية القائمة على تبني آليات تشاركية و تساهمية من صلح ووساطة و تسوية كبدائل للدعوى العمومية وبقيت النظرة مقتصرة على بلورة أساليب وطرق حل النزاع الجنائي بدل اللجوء إلى الدعوى العمومية.
للاطلاع والتحميل
What's Your Reaction?