أطروحة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه علوم في القانون العام بعنوان : حول موضوع طبيعة العلاقات بين وظائف القضاء الجنائي
لا تقوم دولة القانون إلا على أسس أهمها وجود دستور يحمي حقوق الأفراد وحرياتهم يفصل بين السلطات الثلاث التي أهمها سلطة القضاء ، ذلك أن استقلال السلطة القضائية دعامة أساسية لقيام الدولة الحديثة ولا ينشأ عدل في ظل نظام يهيمن على سلطة القضاء ، انطلاقا من ذلك يقال بأنه من السهل التعرف على النظام السياسي لدولة معينة فيما إذا كان استبداديا أو ديمقراطيا من خلال قانون الإجراءات الجزائية السائد فيها ، لأن لهذا القانون علاقة وطيدة بالنظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تحكم شكل الدولة وعلاقتها بالأفراد ، ففي النظم الاستبدادية التي تعتنق مبدأ تفوق الدولة يصبح قانون الإجراءات فيها أداء للسلطة والقهر نتيجة كثرة القيود الواردة على المتهم ، أما في النظم الديمقراطية فإن هذا القانون يحاول الموازنة بين حق المجتمع في العقاب وحق المتهم في الحرية الشخصية . فحقوق الأفراد تكاد تتساوى مع حق الدولة . يقتضي حسن إدارة القضاء الجنائي أن تتخذ جميع الإجراءات الجنائية في حيدة تامة وهذا عن طريق العمل على الاستقلال بين وظائفه ( المتابعة ، التحقيق، الحكم ، تنفيذ العقوبة ) وأن تباشر هذه الوظائف مستقلة عن بعضها ال
رابط التحميل أسفل التقديم:
مقدمة
لا تقوم دولة القانون إلا على أسس أهمها وجود دستور يحمي حقوق الأفراد وحرياتهم يفصل بين السلطات الثلاث التي أهمها سلطة القضاء ، ذلك أن استقلال السلطة القضائية دعامة أساسية لقيام الدولة الحديثة ولا ينشأ عدل في ظل نظام يهيمن على سلطة القضاء ، انطلاقا من ذلك يقال بأنه من السهل التعرف على النظام السياسي لدولة معينة فيما إذا كان استبداديا أو ديمقراطيا من خلال قانون الإجراءات الجزائية السائد فيها ، لأن لهذا القانون علاقة وطيدة بالنظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تحكم شكل الدولة وعلاقتها بالأفراد ، ففي النظم الاستبدادية التي تعتنق مبدأ تفوق الدولة يصبح قانون الإجراءات فيها أداء للسلطة والقهر نتيجة كثرة القيود الواردة على المتهم ، أما في النظم الديمقراطية فإن هذا القانون يحاول الموازنة بين حق المجتمع في العقاب وحق المتهم في الحرية الشخصية . فحقوق الأفراد تكاد تتساوى مع حق الدولة .
يقتضي حسن إدارة القضاء الجنائي أن تتخذ جميع الإجراءات الجنائية في حيدة تامة وهذا عن طريق العمل على الاستقلال بين وظائفه ( المتابعة ، التحقيق، الحكم ، تنفيذ العقوبة ) وأن تباشر هذه الوظائف مستقلة عن بعضها البعض، لأن ذلك هو لب استقلال القضاء بوجه عام، الذي هو طموح كل الدول الديمقراطية ، كما أنه يستند في ذلك إلى أدلة عقلية فنية وقانونية بغية تحقيق قضاء عادل يضمن حقوق الدفاع ..
تتعدد الأسباب التي دفعت الباحث الدراسة موضوع طبيعة العلاقات بين وظائف القضاء
الجنائي ولعل أهمها هو تبيان مدى أهمية استقلال قاضي التحقيق عن النيابة العامة وعن
قضاء الحكم ، وانعكاسات هذا الاستقلال على حقوق الدفاع وعلى الحريات الفردية .
باعتبار النيابة العامة خصم وظرف أصيل في الدعوى العمومية على خلاف قاضي التحقيق الذي هو طرف حيادي له كامل الاستقلالية تجاه باقي القضاء سواء من النيابة العامة أو من قضاء الحكم ، مع خضوعه بطبيعة الحال للرقابة على ما يباشره من إجراءات ، لأن للتحقيق أهمية بالغة في تحضير ملف الدعوى وتقدير مدى قابليته للنظر أمام قضاء الحكم .
لأن حماية الحريات الشخصية من كل تحكم أوكل استبداد تعد المبرر الرئيسي والغاية الأسمى لمبدأ استقلال وظائف القضاء الجنائي، وهي تستند إلى قاعدة جوهرية مؤداها أنه لا يجوز للجهة التي تطالب بالعقاب ضد من يخرج عن أحكام القانون ألا وهي سلطة الإدعاء العام أن تكون هي نفسها السلطة التي تحقق في صحة ثبوت الاتهام من عدمه ، وألا تكون هي أيضا نفسها السلطة المكلفة بالمحاكمة وألا تكون هي أيضا الهيئة المكلفة بتنفيذ العقوبة ، نظرا للتعارض القائم بين الوظائف الأربعة تجسيدا للمبدأ القاتل بأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة ..
تدل الممارسة الفعلية للإجراءات الجزائية بأن هناك نوع من التداخل أحيانا بين صلاحيات كل من النيابة العامة وقاضي التحقيق وقاضي الحكم من الناحية العملية بحيث يكاد البعض أحيانا يعتقد بأن لوكيل الجمهورية نوع من السلطة - ولو شكليا - على قاضي التحقيق، لأن هذا الأخير بالرغم من ضرورة وجوده ودوره الهام في الدعوى العمومية ، إلا أنه لا يستطيع أن يتصل بالدعوى العمومية إلا عن طريق الطلب الافتتاحي الموجه له من طرف وكيل الجمهورية ، الذي يحدد فيه الأشخاص الذين يلتمس بأن يجرى التحقيق بشأنهم والتهمة المفترضة التي يحددها هذا الأخير، كما أنه فضلا عن ذلك لا يجوز القاضي التحقيق أن يوجه الاتهام لأشخاص آخرين نظرا لاكتشافه وقائع أخرى لم ترد في الطلب الافتتاحي إلا بالرجوع لوكيل الجمهورية .
كذلك بالنسبة لقاضي الحكم فإنه بدوره هو أيضا لا يمكنه التكفل بملف الدعوى العمومية من تلقاء نفسه وإنما يجب ألا يكون حصرا وفقا لمقتضيات المواد 334 ، 335 ، 337 و 338 من قانون الإجراءات الجزائية .
وبالتالي فإنه كيف يمكن أن تتصور أن يكون وكيل الجمهورية الذي هو في حقيقته خصم أصيل للمتهم وطرف أصيل في الدعوى العمومية أن يرخص - إن صح التعبير -القاضي التحقيق الذي هو بطبيعة وظيفته ووجوده بجهاز العدالة طرف حيادي لا يمكن أن يخضع لأحد إلا لضميره والقانون من أجل إجراء التحقيق من عدمه مهما كانت جسامة الجريمة المرتكبة .
للاطلاع والتحميل
What's Your Reaction?