أطروحة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه الطور الثالث حول موضوع النظام القانوني للعقوبات الإدارية في التشريع الجزائري
لا يختلف اثنان على أن الأنظمة القانونية بمختلف أنواعها تسعى إلى تحقيق العدالة داخل مجتمعاتها وبين مواطنيها، وهو ما جعل العقاب أهم وسيلة قانونية تعتمدها الدول لفرض النظام وضبط المجتمع وحماية مصالحه الأساسية، إلا أن هذه العقوبات وصلت حدها الأقصى فقد أخذت حدا كبيرا في التطبيق على مختلف الجرائم سواء كانت جرائم بسيطة أو بالغة الخطورة. يتميز قانون العقوبات بدوره البارز في تنظيم المجتمع والحد من الجرائم التي تمسه تطبيقا النظرية بدون جريمة لا محل للعقاب الجنائي ولا معنى لتجريم بلا عقاب يقترن به. تقوم الدولة باقتضاء حقها في العقاب عن طريق الدعوى الجنائية، كذلك هو الحال بالنسبة للأشخاص الذين تم الاعتداء على حقوقهم فيكون القضاء الجنائي وجهتهم الأولى لطلب الحماية وتطبيق العقوبات الجنائية على المعتدين، فكل شخص ثبت عليه الجرم يطبق عليه القانون الجنائي تطبيقا لقاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، فالقضاء الجزائي هو الوسيلة الوحيدة التي يحتمي من ورائها الأفراد، كما أنه يهدف لتحقيق الردع الاجتماعي، كما يسمحبتحقيق النظام العام، إلا أنه بعد الحرب العالمية الثانية وما خلفته من دمار وانتهاك خاصة في مجال ح
رابط التحميل أسفل التقديم:
مقدمة
لا يختلف اثنان على أن الأنظمة القانونية بمختلف أنواعها تسعى إلى تحقيق العدالة داخل مجتمعاتها وبين مواطنيها، وهو ما جعل العقاب أهم وسيلة قانونية تعتمدها الدول لفرض النظام وضبط المجتمع وحماية مصالحه الأساسية، إلا أن هذه العقوبات وصلت حدها الأقصى فقد أخذت حدا كبيرا في التطبيق على مختلف الجرائم سواء كانت جرائم بسيطة أو بالغة الخطورة.
يتميز قانون العقوبات بدوره البارز في تنظيم المجتمع والحد من الجرائم التي تمسه تطبيقا النظرية بدون جريمة لا محل للعقاب الجنائي ولا معنى لتجريم بلا عقاب يقترن به.
تقوم الدولة باقتضاء حقها في العقاب عن طريق الدعوى الجنائية، كذلك هو الحال بالنسبة للأشخاص الذين تم الاعتداء على حقوقهم فيكون القضاء الجنائي وجهتهم الأولى لطلب الحماية وتطبيق العقوبات الجنائية على المعتدين، فكل شخص ثبت عليه الجرم يطبق عليه القانون الجنائي تطبيقا لقاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، فالقضاء الجزائي هو الوسيلة الوحيدة التي يحتمي من ورائها الأفراد، كما أنه يهدف لتحقيق الردع الاجتماعي، كما يسمحبتحقيق النظام العام، إلا أنه بعد الحرب العالمية الثانية وما خلفته من دمار وانتهاك خاصة في مجال حقوق الإنسان سارعت مختلف دول العالم لتبني نظم تشريعية جديدة غايتها الحد من الانتهاكات الإنسانية والرفع من قيمة الإنسان من خلال تبني أنظمة عقابية جديدة.
رفض الفقه الجنائي الحديث من أسلوب العقاب الحاد الذي تنتهجه مختلف الدول واعتبار العقاب والتجريم ليس الوسيلة الوحيدة لردع انتهاكات حقوق الفرد وحرياته، واعتبروا أن تجريم كافة الأفعال على اختلاف درجاتها بسيطة أو جسيمة يسبب التضخم التشريعي كما أن العقاب على كل فعل أصبح أمرا مرفوضا من قبل أفراد المجتمع ولابد من الحد منه، وهنا ظهرت أهم نظريتين ساهمتا في التحول عن العقاب الجنائي إلى نظام عقابي آخر وهي النظرية الحد من العقاب والحد من التجريم واللتان تعدان وليدنا السياسة الجنائية المعاصرة.
تعتبر نظرية الحد من العقاب ونظرية الحد من التجريم من التوجهات الحديثة للسياسة الجنائية المعاصرة، فقد لجأت لها بعض التشريعات عن طريق إباحة بعض الأفعال في القانون الجزائي مع تجريمها في نظام قانوني آخر والتخفيف من وصفها الجنائي وهو المقصود بالحد من التجريم، أما الحد من العقاب فنقصد به التحول عن العقاب الجنائي الذي ينبني أساسا على العقوبات السالبة للحرية لصالح نظام عقابي آخر.
من بين أهم الأنظمة التي تبنتها الدول كبديل عن العقاب الجنائي هو العقاب الإداري حيث منح المشرع للسلطات الإدارية التقليدية أو الحديثة وبموجب نصوص خاصة الصلاحية الضعية دون الوصول لحد سلب الحرية، الغاية الأساسية في تخلي المشرع عن الحل الجنائي في بعض المسائل هو ثبوت عجزه في حماية الحقوق والحريات الفردية من جهة ومن جهة أخرى سعيا من المشرع التخفيف من ظاهرة التضخم التشريعي والتخفيف على النظام العقابي، كما أن العقاب الإداري بديل يسمح بتحقيق الردع الاجتماعي وحماية الصالح العام.
انتشرت ظاهرة العقاب الإداري بشكل واسع في كامل المجالات التي تتسم بالسرعة والمرونة في المعاملات كالمجال الضريبي والبيئي الاقتصادي... الخ، ويرجع الفضل في ظهور نظام العقوبات الإدارية للنظرية الحد من العقاب حيث ساهمت في تفعيل دور الإدارة ومشاركتها في ضبط النظام العام بمختلف مجالاته الاقتصاد البيئة الصحة العامة الاتصالات، قطاع الكهرباء والغاز .... إلخ.
العقوبات الإدارية ثلاث أنواع الأولى عبارة عن الجزاءات التأديبية وهي التي تربط الإدارة بالموظف لديها علاقة تنظيمية أين يعطى الحق للإدارة بتوقيع جزاء تأديبي إذا ثبت خروجه على مقتضيات وظيفته، أما النوع الثاني فهو العقوبات التعاقدية أين تفرض الإدارة عقوبات على المتعاقد معها نتيجة إخلاله بالتزاماته التعاقدية ومبررها في ذلك وجود رابطة بين المخالف والإدارة التي فرضت العقاب.
وأخيرا النوع الثالث من العقوبات وهي محل دراستنا وهي تلك العقوبات التي توقعها الإدارة على كل من خالف القوانين والتنظيمات المعمول بها دون الحاجة لوجود رابطة بينها وبين المخالف أي لا وجود لعلاقة تعاقدية أو تنظيمية بين المخالف والإدارة، يطلق عليها بقانون العقوبات الإدارية أو هناك من يسميها بالقانون الإداري الجنائي.
والمقصود بالقانون الإداري الجنائي الذي هو محل دراستنا أنه منح المشرع للسلطات الإدارية المختصة مكنة فرض عقوبات إدارية في غير مجال الجزاءات التأديبية والتعاقدية بدلا عن السلطة القضائية، والغاية من تحويل المشرع الإدارة الصلاحية القمعية هو تحقيق الصالحالعام وحماية المصالحهم من خلال فرض عقوبات زجرية تردع كل من حاول مخالفة القوانين والتنظيمات المعمول بها بشرط الا تصل هذه العقوبات درجة سلب الحرية التي تبقى اختصاص أصيل وحصري بيد السلطة القضائية.
فرق المشرع الجزائري الأفعال ذات الخطورة من الأفعال البسيطة فقد جعل العقاب بيد. السلطة الإدارية المختصة استثناء في مادة المخالفات دون الجنح والجنايات التي يبقى العقاب عليها من اختصاص القاضي الجزائي، إضافة إلى ذلك تتنوع هذه الأخيرة بين عقوبات مالية تمس بالذمة المالية للمخالف كالغرامة المالية والمصادرة، وعقوبات غير مالية تمس بالحقوق والامتيازات الممنوحة للمخالف كسحب الترخيص، توقيف عن النشاط الغلق المؤقت والغلق النهائي ... إلخ.
للاطلاع والتحميل
What's Your Reaction?