الرقابة على دستورية القوانين في الجزائر من المجلس الدستوري إلى المحكمة الدستورية

ان احترام القوانين والتشريعات للدستور والتقيد بأحكامة حفاظا على انسجام المنظومة القانونية إضافة إلى احترام حقوق الأفراد وحرياتهم، هي أهداف يسعى إلى تحقيقها كل نظام ديمقراطي نظرا لما لهذه المبادئ من أهمية بالغة في بناء دولة القانون وتأكيدا للسمو الذي يجب أن يظل الدستور متمتعا به باعتباره أساس الحياة الدستورية في الدولة المعاصرة، وكفيل الحريات فيها ومقرر ضمانات حمايتها، فهو القانون الأساسي الأسمى الذي يرسى القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة، كما ينشئ السلطات العامة فيها ويرسم وظائفها ويضع الحدود الضابطة لنشاطها، ولهذا حق لقواعده أن تستوي على القمة وأن تحظى بالاحترام في كل نظام ديمقراطي. إلا أن احترام القوانين للدستور والالتزام الدائم بأحكامه بما يضمن استقراره واستمراره لا يمكن أن يحصل إلا إذا توافرت في الدولة آليات رقابية فعالة تضمن هذا الاحترام وتحمي سمو النص الدستوري على ما دونه في المنظومة القانونية في الدولة، لذا حظيت الرقابة على دستورية القوانين باهتمام بالغ من رجال الفقه الدستوري، كما حظيت أيضا باهتمام دساتير الدول بها، فقامت معظمها بتنظيمها كونها أسمى وسائل صي

الرقابة على دستورية القوانين في الجزائر من المجلس الدستوري إلى المحكمة الدستورية

رابط التحميل أسفل التقديم:

مقدمة:

ان احترام القوانين والتشريعات للدستور والتقيد بأحكامة حفاظا على انسجام المنظومة القانونية إضافة إلى احترام حقوق الأفراد وحرياتهم، هي أهداف يسعى إلى تحقيقها كل نظام ديمقراطي نظرا لما لهذه المبادئ من أهمية بالغة في بناء دولة القانون وتأكيدا للسمو الذي يجب أن يظل الدستور متمتعا به باعتباره أساس الحياة الدستورية في الدولة المعاصرة، وكفيل الحريات فيها ومقرر ضمانات حمايتها، فهو القانون الأساسي الأسمى الذي يرسى القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة، كما ينشئ السلطات العامة فيها ويرسم وظائفها ويضع الحدود الضابطة لنشاطها، ولهذا حق لقواعده أن تستوي على القمة وأن تحظى بالاحترام في كل نظام ديمقراطي.

إلا أن احترام القوانين للدستور والالتزام الدائم بأحكامه بما يضمن استقراره واستمراره لا يمكن أن يحصل إلا إذا توافرت في الدولة آليات رقابية فعالة تضمن هذا الاحترام وتحمي سمو النص الدستوري على ما دونه في المنظومة القانونية في الدولة، لذا حظيت الرقابة على دستورية القوانين باهتمام بالغ من رجال الفقه الدستوري، كما حظيت أيضا باهتمام دساتير الدول بها، فقامت معظمها بتنظيمها كونها أسمى وسائل صيانة الدستور وسيادة القانون واستقرار النظام القانوني، لتكون بذلك الرقابة على دستورية القوانين الآلية المثلى لضمان حسن سير السياسة التشريعية لأي دولة.

وإن استندت عملية التأسيس للرقابة الدستورية على القوانين المنطقين متباينين عكسا تجربتين مختلفتين تباينت مواقف الدول إزاءها، فمنها من انتهج طريق الرقابة القضائية، ومنها من انتهج طريق الرقابة السياسية، إلا أنه لا شك أن الرقابة الدستورية تسعى دائما وأبدا إلى صون أحكام الدستور وحمايتها من الانتهاك أو الخروج عليها من أي سلطة كانت بما تصدره من تشريعات قد تنطوي في بعض الأحيان على تعارض مع فحوى الدستور، الأمر الذي دفع بمختلف الدول الديمقراطية إلى إنشاء مجالس وهيئات أو كلت لها مهمة الرقابة على دستورية القوانين للحفاظ على الأحكام والمبادئ الدستورية من الانتهاك.

وعلى غرار هذه الدول قطعت الجزائر عبر من مختلف دساتيرها أشواطا في تكريس الرقابة على دستورية القوانين، حيث اعتمد المؤسس الدستوري الجزائري هذه الآلية غداة استعادة السيادة الوطنية، وقد ارتبط تاريخ الرقابة على دستورية القوانين في الجزائر فكرة وتطبيقا بالرقابة السياسية عن طريق المجلس الدستوري الذي تم النص على إنشائه في أول الدساتير الجزائرية سنة 1963، وكلف وقتها بالفصل في دستورية القوانين والأوامر التشريعية ورغم أن المجلس الدستوري لم ير الدور عمليا إلا بموجب التعديل الدستوري لسنة 1989 الذي جسد التحول السياسي والديمقراطي القائم على التعددية الحزبية، فكان من الطبيعي أن ينص على رقابة دستورية القوانين باعتبارها السمة الأساسية لمعظم الدول الديمقراطية، وكلف بها المجلس الدستوري الذي أصبح يضطلع بها فضلا عن السهر على احترام الدستور إلى غاية التعديل الدستوري لسنة 2016 الذي أعاد المؤسس الدستوري بموجبه تنظيم أحكام المجلس الدستوري كهيئة رقابية مستقلة وخصه بإصلاحات جوهرية لتمكينه من أداء مهامه في إطار الاستقلالية والموضوعية ليجعل منه أداة فعالة الهيكلة النظام القانوني والمؤسساتي في الدولة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل منحه زيادة على ذلك سلطة الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين التي لها علاقة بالحقوق والحريات الأساسية عن طريق الدفع بعدم الدستورية، ورغم الإصلاحات الشاملة التي أدت إلى تحسين مركز هذه الهيئة الرقابية بشكل لم تعرفه منذ النص على إنشائها إلا أن المؤسس الدستوري الجزائري ذهب بالرقابة على دستورية القوانين إلى منحى غير الذي سارت عليه لأزيد من نصف قرن من الزمن وذلك بموجب التعديل الدستوري لسنة 2020 الذي نص فيه على إنشاء محكمة دستورية أوكل إليها ضمان احترام الدستور وضبط سير المؤسسات ونشاط السلطات العمومية بدلا من المجلس الدستوري، كنتيجة لتراكمات التشكيك المستمر في القرارات التي تصدر عن هذا الأخير، خاصة المتعلقة منها بالمنازعات الانتخابية التي وصلت إلى حد الطعن في مصداقيته.

زيادة على الجدل القائم بشأن عدم فعالية الرقابة السياسية على دستورية القوانين وعجزها عن كفالة الغرض المقصود منها والتي لا يمكن أن تكون كبديل عن الرقابة القضائية وهي من بين الدوافع التي كانت سببا مباشرا في أخذها بعين الاعتبار من طرف المؤسس الدستوري، زيادة على تلبيته لواقع الحال الذي فرض نفسه على إثر الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد - الحراك الشعبي كغيرها من دول الجوار، الأمر الذي تفاعلت معه الدولة الجزائرية بإصلاحات مهمة على مختلف المجالات، فكان من أهمها الانتقال بالرقابة على دستورية القوانين إلى مرحلة جديدة غاية في الأهمية، حيث خط الدستور الجزائري بين نصوصه النص على انتقال الرقابة على دستورية القوانين في الجزائر من المجلس الدستوري إلى المحكمة الدستورية كواحدة من متطلبات المرحلة التي أريد لها أن تقوم على أساس سيادة القانون.


للاطلاع والتحميل

What's Your Reaction?

like
0
dislike
1
love
1
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0