مقال حول موضوع التنمية الترابية وتحديات العدالة المجالية في ظل الاستعدادات لتنظيم مونديال 2030

يعتبر تنظيم المغرب لمونديال 2030 إلى جانب كل من إسبانيا والبرتغال، لحظة تحول مفصلي في مسار التنمية ببلادنا، بما يحمله من رهانات دولية وفرص مهمة لتشجيع مناخ الاستثمار وخلق مناصب الشغل والمساهمة في التنمية المندمجة والمستدامة، إلا أن هذا الحدث التاريخي يضع المغرب أمام تحديات كبيرة، ترتبط أساسا بضرورة ملائمة الاستعدادات مع متطلبات التنمية الترابية، تفاديا لتكريس التفاوتات المجالية.

مقال حول موضوع التنمية الترابية وتحديات العدالة المجالية في ظل الاستعدادات لتنظيم مونديال 2030

رابط التحميل أسفل التقديم:

ملخص:

يعتبر تنظيم المغرب لمونديال 2030 إلى جانب كل من إسبانيا والبرتغال، لحظة تحول مفصلي في مسار التنمية ببلادنا، بما يحمله من رهانات دولية وفرص مهمة لتشجيع مناخ الاستثمار وخلق مناصب الشغل والمساهمة في التنمية المندمجة والمستدامة، إلا أن هذا الحدث التاريخي يضع المغرب أمام تحديات كبيرة، ترتبط أساسا بضرورة ملائمة الاستعدادات مع متطلبات التنمية الترابية، تفاديا لتكريس التفاوتات المجالية.

Mots-clés : 

التنمية الترابية، العدالة المجالية، مونديال 2030، الجماعات الترابية.

مقدمة:

يشكل المجال الترابي الفضاء الطبيعي والوظيفي الذي يتحكم فيه الإنسان ويقيم فيه مختلف أنشطته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، والذي يشهد تطورا كبيرا ومتجددا على مستوى موارده الطبيعية والتغيرات السوسيو اقتصادية والاجتماعية، وينتج عن هذا التفاعل علاقة ترابية تؤسس لبناء مسار التنمية الترابية.

إن التنمية الترابية هي عملية مركبة ومنظمة وفق تخطيط ترابي محكم. تهدف إلى إعداد وإنجاز مشاريع تنموية ذات بعد اقتصادي، اجتماعي وبيني، وتعبأ لها موارد من داخل المجال الترابي، من أجل تقديم مشروع محلي مندمج ومتكامل وفق رؤية جديدة كفيلة بالإجابة على الواقع المحلي وما يختزنه من مشاكل السكان وتحقيق الأهداف المسطرة من طرف الفاعلين الترابيين.

وتروم التنمية الترابية إلى توفير عيش كريم الفائدة المواطنين في المجال الترابي والرفع من مستواهم المعيشي من خلال التوزيع العادل والمتكافئ للتقسيم الترابي والاستفادة المتساوية والمتوازنة من الطاقات البشرية والموارد والثروات الطبيعية والخدمات بشكل يستفيد منه كل فرد في المجتمع، وبالتالي تحقيق العدالة المجالية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بتهيئة المجال الترابي دون التفريط في وحدة الانتفاع المشترك من الخيرات والثروات والموارد الطبيعية.

يحظى موضوع التنمية الترابية بأهمية كبيرة لدى مختلف الباحثين والفاعلين، باعتباره المنطلق الأساسي لكل تخطيط استراتيجي شامل. ولقد ساهمت حداثة الموضوع على مستوى تنظيم مونديال 2030 في إبراز راهنيته والتشجيع على سبر أغواره، حيث يعد هذا الحدث من أكبر التظاهرات العالمية كما أنه يعتبر فرصة سانحة لإعادة رسم ملامح التنمية في المغرب، إلا أن الاستعداد لتنظيم مونديال 2030 يطرح عدة تحديات ترتبط أساسا بضرورة تحقيق عدالة مجالية.

لقد شهد دستور 2011 مجموعة من المستجدات الجديدة والتي شملت عدة ميادين اقتصادية واجتماعية وثقافية وحقوقية، ومن ضمن هذه المتغيرات هناك التنظيم الترابي، حيث جعل الجهات والجماعات الترابية الأخرى قضاء خصيا وملائما لتبني استراتيجية كفيلة بتحقيق تنمية مندمجة ومستدامة على جميع المستويات. ويبرز الإطار الدستوري المنظم للتنمية الترابية في تخصيص دستور 2011 الباب التاسع للجماعات الترابية وتكريس مجموعة من المبادئ والآليات التنظيمية الناظمة الأسس التدبير الترابي

وفي هذا الصدد تم رصد مجموعة من الإكراهات المجالية التي سوف تعيق مجهودات الفاعلين التنظيم مونديال 2030، والتي تثير عدة تساؤلات جوهرية أهمها: إلى أي حد يمكن أن يشكل تنظيم مونديال 2030 رافعة حقيقية لتحقيق التنمية الترابية في ظل التحديات التي تواجه العدالة المجالية؟
وعلى هذا الأساس: سوف يتم الاجابة عن هذه الاشكالية في متن هذه الدراسة من خلال تناول التقعيد الدستوري للتنمية الترابية، مع إبراز تحديات العدالة المجالية في سياق التحضير لمونديال 2030.
والوقوف على دور تنظيم مونديال 2030 باعتباره فرصة استراتيجية لتحقيق التنمية الترابية

المحور الأول: التقعيد الدستوري للتنمية الترابية

شهد التنظيم الترابي للمملكة المغربية تطورا ملحوظا غير الدساتير المتعاقبة، وقد ازدادت وثيرة هذا التطور بعد صدور دستور 2011، حيث جاء في الفصل الأول منه أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم الا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة، ولقد عمل المشرع الدستوري على جعل الجهة رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال تبونها مكانة الصدارة مقارنة مع باقي الجماعات الترابية في مجال التنمية المندمجة والمستدامة، حيث تبنى المغرب تقسيما ترابيا جديدا قلص من خلاله عدد الجهات إلى 12 جهة بدلا من 16 جهة. وقد جاء هذا التقسيم بناء على مجموعة من المعايير التقنية وهي الفعالية. التراكم، التجانس الوظيفي، القرب، والتوازن.

خصص دستور 2011 بابا كاملا ومستقلا للجماعات الترابية، كما أكد على مجموعة من الأليات التنظيمية المرتبطة بتدبير الوحدات الترابية اللامركزية، من قبيل:
(1) إقرار مبدأ التدبير الحره

ورد في الفصل 136 من دستور 2011 على أن " يرتكز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة، كما تناولت الفقرة الأخيرة من الفصل 146 مبدأ التدبير الحر من خلال إحالة قواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر على القانون التنظيمي، والذي يخول بمقتضاد لكل جماعة ترابية في حدود اختصاصاتها سلطة التداول بكيفية حرة وديموقراطية. وبالتالي تمتيع الجهة باختصاصات ذاتية وصلاحيات مهمة وبكيفية مستقلة ولا يسمح بتدخل ممثلي السلطة المركزية في أنشطتها ومهامها إلا في الحدود التي يتيحها القانون.

ويقتضي مبدأ التدبير الحر مراجعة العلاقة بين الإدارة المركزية والجماعات الترابية، وبين الجماعات الترابية فيما بينها، وهو الأمر الذي أكده الفصل 145 من دستور 2011 من خلال التخفيف من ضغط سلطة الوصاية التي كان يمارسها العمال والولاة، حيث انتقلوا من منفذي البرامج الجماعية إلى مساعدي رؤساء المجالس الجهوية في تنفيذ المخططات والبرامج التنموية، كما يقوم العمال والولاة بتنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية، والسهر على حسن سيرها.
ويلاحظ من خلال المقتضيات الدستورية على أن المشرع المغربي قد منح الجماعات الترابية نوعا من الحرية في ملائمة الصلاحيات المخولة لها، كما أكد على ضرورة تمتيعها بالاستقلالية للقيام بأدوارها. غير أن منح الولاة صلاحيات واسعة وسلطات أكبر من سلطات رؤساء الجهات في الضبط والمراقبة والتتبع خصوصا تمتعهم بالقوة القانونية في رفض أو قبول أي مشروع يتعارض مع الفصل 136 وكذلك الفصل 146 من الدستور الذي يمنح الجهات والجماعات حق تدبير شؤونها بكيفية ديمقراطية، كما أن محدودية استقلال ميزانية الجماعات الترابية وارتفاع مصاريف التسيير يحول دون ممارسة المجالس الصلاحياتها المخولة لها بمقتضى النصوص القانونية. تكريس مبدأ التفريع

يعد مبدأ التفريع تنظيما ترابيا ملائما لتحقيق التنمية لما له من انعكاس مباشر على عملية تقسيم الاختصاصات، وهو يعتبر من المبادئ الدستورية التي تساهم بشكل كبير في توزيع الاختصاصات بين الجهة والدولة، ولقد تم تكريس هذا المبدأ كأساس لتحديد الاختصاصات الذاتية والمشتركة مع الدولة والاختصاصات المنقولة من الدولة إلى الجماعات الترابية، بالاعتماد على مبدأ التدرج في الزمان ومبدأ التمايز في المجال لممارسة هذه الاختصاصات، وقد نصت الفقرة الثانية من الفصل 141 على أن: كل اختصاص تنقله الدولة إلى الجهات والجماعات الترابية الأخرى يكون مقترنا بتحويل الموارد المطابقة له".
ويكتسي هذا المبدأ أهمية كبيرة تكمن في ارتكازه على معيار القرب من المرتفق، كما أنه يشكل مدخلا التدعيم الميزانية السنوية للجماعات الترابية، نظرا لاهتمامه بتوزيع الاختصاصات التي لا يمكن فصلها عن قدراتها التمويلية، لذلك عمل المشرع على تفعيله بشكل دقيق ومفصل في القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية وذلك وفقا للفصل 146 من الدستور وتطبيقا لهذا المبدأ، فالإقليم يقوم بما لا يمكن للجماعة أن تقوم به، والجهة تتكفل بما لا يمكن للجماعات الترابية الأخرى أن تقوم به، والدولة تمارس الاختصاصات التي لا يمكن إسنادها للجماعات الترابية الأخرى في مستوياتها الثلاث .

ويلاحظ في هذا الصدد أن الاختصاصات الحالية للجماعات الترابية هي نفس الاختصاصات المنصوص عليها في قوانين سابقة باستثناء ما يتعلق بالاختصاصات المشتركة مع الدولة، بالإضافة إلى تداخل الاختصاصات بين الجماعات الترابية وتشابهها وتكرراها مع إشراك المجال مع أصناف الجماعات الترابية الأخرى.

رابط التحميل

https://journals.imist.ma/index.php/Burak/article/view/5098/3120

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0