القضاء الإداري بين العقلنة وتدخل السلطة التنفيذية

مما لاشك فيه أن القضاء الإداري أصبح حاليا يقوم بدور مهم في حماية حقوق وحريات الأفراد في وجه تعسفات السلطات الإدارية إلى حد أن اقترن القضاء الإداري عند الجميع بدولة الحق باعتباره نتيجة أو كرد فعل للعلاقة غير المتساوية التي تجمع الإدارة بالأفراد، والتي قد تتخللها بعض التجاوزات.

القضاء الإداري بين العقلنة وتدخل السلطة التنفيذية

رابط تحميل المقال اسفل التقديم

مقدمة

مما لاشك فيه أن القضاء الإداري أصبح حاليا يقوم بدور مهم في حماية حقوق وحريات الأفراد في وجه تعسفات السلطات الإدارية إلى حد أن اقترن القضاء الإداري عند الجميع بدولة الحق باعتباره نتيجة أو كرد فعل للعلاقة غير المتساوية التي تجمع الإدارة بالأفراد، والتي قد تتخللها بعض التجاوزات.

لكن لا ينبغي أن يفهم من ذلك أن هناك دورا كبيرا يقوم به القاضي في هذا المجال، وبدون قيود، بل إن القضاء الإداري المغربي الذي ترسخ بإنشاء المحاكم الإدارية والتي فرضت وجودها بعض العوامل الداخلية والخارجية، قد خضع لما يمكن تسميته بالعقلنة القضائية. وهي عقلنة تحد من دوره في حماية الحقوق والحريات. وبالتالي يمكن القول إن الوضعية القانونية لقضائنا الإداري لا تسعفه كثيرا في القيام بدور مهم في مجال هذه الحماية، وبالتالي في إرساء دولة الحق والإنصاف والعدالة (أولا). كما يمكن للسلطة التنفيذية الراعية للإدارة أن تحد من هذا الدور من خلال لجوئها إلى بعض التقنيات والآليات القانونية (ثانيا).

أولا : عقلنة القضاء الإداري

من الدلالة الكبرى أن نشير إلى أن القضاء الإداري في فرنسا التي نشأ فيها لم يكن محل ترحاب. فقد خالج الفرنسيين شعور بالقلق وعدم الارتياح منذ سنة 1790 من هذا النوع من القضاء. فقد رفضت الجمعية التأسيسية الاقتراح الذي طرح على أنظارها من أجل تأسيس نظام قضاء إداري تكون فيه الولاية العامة لمحاكم إدارية مستقلة. ورأت أن هذا الاقتراح من شأنه أن ينشئ محاكم استثنائية تعيد التجربة الفاشلة لتلك المحاكم التي أنشئت في عهد النظام القديم، والتي لم تكن لتترك إلا ذكريات سيئة عن هذا القضاء، كما رفضت الاقتراح الذي يسند شؤون هذا القضاء إلى المحاكم العادية نظرا لتعسفاتها الكبيرة

62

المكي السراجي

في علاقاتها بالإدارة في هذا العهد حيث كانت تعرف بالبرلمانات وخشية أن تدوس هذه المحاكم مرة أخرى على اختصاصات الإدارة بل ذهبت الجمعية التأسيسية إلى أبعد من ذلك إذ عملت على تحريم هذا الأمر بنص صريح من خلال القانون 16-24 غشت 1790 المتعلق بالتنظيم القضائي الذي اعتبر الوظائف القضائية العادية متميزة وتبقى دوما منفصلة عن الوظائف الإدارية، ولا يجوز للقضاء عرقلة العمليات

الإدارية ولا استدعاء الإداريين بسبب وظائفهم.

هكذا يظهر أن إنشاء قضاء إداري مختص بالنظر في القضايا التي تكون الإدارة طرفا فيها لم يكن الهدف منه بداية في فرنسا هو حماية حقوق وحريات الأفراد، وإنما كان الهدف منه هو حماية الإدارة والإداريين من مراقبة القضاء العادي. غير أن القضاء الإداري الفرنسي استطاع بفعل حنكة قضاته المشبعين بمبادئ حقوق الإنسان أن يوجهوا هذا القضاء إلى حماية حقوق وحريات الأفراد ليس استنادا إلى النصوص القانونية، وإنما استنادا إلى المبادئ العامة للقانون. ومن هنا بدأ الحديث عن دور القضاء الإداري في مجال هذه الحماية.

وعموما يمكن استجلاء معالم العقلنة التي خضع لها القضاء الإداري على مستوى الدستور (1)، وعلى مستوى القانون (II).

على مستوى الدستور

إذا كانت السلطة القضائية تحتل المرتبة الثالثة في نظرية فصل السلط بعد السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، فإن القضاء يحتل في بعض الدساتير المعاصرة مراتب متأخرة؛ فقد وضعه الدستور المغربي الحالي في الباب السابع من أصل أربعة عشرة بابا وهو نفس الباب الذي كان يشغله في الدستور السابق. كما وضع الدستور الفرنسي لسنة 1958 القضاء في الباب الثامن من بين خمسة عشرة بابا، وبذلك لم يدرج في مصاف السلطتين التشريعية والتنفيذية (1). بل إن هناك من يرى أنه لا توجد في فرنسا اليوم سلطة قضائية مستقلة حقيقية لأن الدستور لا يشير إلا إلى مجرد «سلطة قضائية Autorité judiciaire وليس

Pouvoir judiciaire يضمن رئيس الجمهورية استقلالها (2).

ویری Thierry Renoux أنه إذا عدنا إلى جميع الدساتير التي عرفتها فرنسا، سنجد أنها لا تشير إلى أي سلطة (pouvoir) من هذا النوع، وكانت السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية بحسب موازين القوة ترفض دوما الاعتراف للقضاء بجزء من السلطة. ويرى أنه في فرنسا تاريخ السلطة القضائية ما هو إلا تاريخ

(1) انظر مقالنا في موضوع استقلال القضاء الإداري ومبدأ الفصل بين السلط، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 46 شتنبر - أكتوبر 2002، ص 55 وما بعدها. (2) Philip (L.), «Sécurité, liberté et droits de l'Homme, Le Monde, 19-20 octobre, 1980.

المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد مزدوج 129-130، يوليوز - أكتوبر 2016

رابط التحميل

https://drive.google.com/file/d/1HO6q6zcsOFqPbfaSb0QeyRznMS8XpoJV/view?usp=drivesdk

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0