صناعة الحكم المدني - من إنجاز المعهد العالي للقضاء
من القول المأثور، أن القضاء صنعة، وأن أغلب التشريعات، إن لم نقل حلها، قد أحاطت العمل القضائي بالضمانات الشكلية والجوهرية حتى يصل إلى غايته المنشودة، وهي تحقيق العدل، ومن بين هذه الضمانات تحرير أحكام قضائية تتضمن أسبابا واضحة ومقبولة تحمل الدليل على أن القاضي بحث وقائع القضية بحثا دقيقا، وتبين الأدلة والمستندات واستخلص القاعدة القانونية الواجبة التطبيق. لقد اهتمت حل التشريعات، بما يجب أن تشتمل عليه الأحكام من أركان وشروط وتسبيب واعتبرت انعدام التسبيب أو قصوره أو تناقضه موجبا للبطلان والنقض، وتركت للقاضي حرية لهج الأسلوب الذي يراه مناسباً عند تحريره لأحكامه. إلا أن الاجتهاد القضائي وضع قواعد تبين ما يجب أن يلتزم به القضاة عند تحريرهم لأحكامهم.
رابط التحميل أسفل التقديم:
تقديم
من القول المأثور، أن القضاء صنعة، وأن أغلب التشريعات، إن لم نقل حلها، قد أحاطت العمل القضائي بالضمانات الشكلية والجوهرية حتى يصل إلى غايته المنشودة، وهي تحقيق العدل، ومن بين هذه الضمانات تحرير أحكام قضائية تتضمن أسبابا واضحة ومقبولة تحمل الدليل على أن القاضي بحث وقائع القضية بحثا دقيقا، وتبين الأدلة والمستندات واستخلص القاعدة القانونية الواجبة التطبيق.
لقد اهتمت حل التشريعات، بما يجب أن تشتمل عليه الأحكام من أركان وشروط وتسبيب واعتبرت انعدام التسبيب أو قصوره أو تناقضه موجبا للبطلان والنقض، وتركت للقاضي حرية لهج الأسلوب الذي يراه مناسباً عند تحريره لأحكامه. إلا أن الاجتهاد القضائي وضع قواعد تبين ما يجب أن يلتزم به القضاة عند تحريرهم لأحكامهم.
وفي هذا السباق الدرج بحث السيد رئيس المحكمة الابتدائية بمدينة القنيطرة الأستاذ عبد العزيز فتحاوي في دراسة صناعة الحكم المدني، وهي دراسة تكتسي أهمية بالغة بحكم ارتباطها بالعمل القضائي المتمثل في إصدار الأحكام وتحقيق الأمن القضائي.
والمجهود الذي بذله الباحث يصب في اتجاه تطوير صناعة الحكم من الحسن إلى الأحسن، وهو بذلك يطرح من جهة أولى رؤية متكاملة لما يجب أن يتوفر عليه الحكم من حيث الديباجة، وعرض الوقائع، والتسبيب، والمنطوق ويعرض من جهة أخرى لكل هذه المواضيع بتقديم اجتهادات قضائية صادرة عن المجلس الأعلى، من منطلق حالات العيب أو النقص الذي يشوب الأحكام، والتي تخل بالضمانات الشكلية أو الجوهرية، وبعمله هذا يكون قد وفر مادة علمية رصينة وإضافة قيمة جديدة سوف تضاف إلى الدراسات المرتبطة بالموضوع.
إن هذا الكتاب يوضع إذن، كأداة بين يدي القضاة الجدد لمساعدتهم في صناعة أحكامهم، وإذ تشكر المؤلف على هذا المجهود فإننا نتمنى له التوفيق والمزيد من النجاح في العمل والبحث.
الحمد لله الذي أقام الكون بالعدل، وأناب لإقامته أهل، سموا بالقضاة وخصوا بالفصل، والصلاة والسلام على من سطر للقضاء أصل، وبين أن الحكم الأمثل في الزيغ عن الزلل، واجتناب كل خلل.
أما بعد،
فقد سمعت الكثير أن القضاء صناعة، وعلمت جازما أنه يحق كذلك، بعد أن تلمست هذه الصناعة في الأمثلة اللاتينية، يقول المثل اللاتيني : «يولد المحامي محاميا أما القاضي فتصنعه الأيام». وفي كتب الفقه الإسلامي، ومارستها عملا وتدريسا، وأيقنت أن علم القضاء، رغم أنه أخص من فقه القضاء، فإنه يجب علوما، ويستقطب صناعات، إذ كلما توهم المرء أنه أحاط بهذه الصناعة أدرك بموازاة هذا التوهم قصر نظره ويخس بضاعته، فالعلم علوم، والصناعة صناعات.
والقاضي المبتدئ يتلقى عند تعليمه الجامعي رحما من المعلومات القانونية، يتولى في المعهد العالي للقضاء ترتيبها وصناعة توظيفها، وهي صناعة قانونية، لكن ليس هذا كل المطلوب منه، فعند بداية عمله الفعلي بالمحاكم يدرك قصر باعه في أمور شتى، فهو يحتاج من جهة، إلى جانب ثقافته القانونية، ثقافة إدارية وثقافة سلوك، وإلماماً بالأعمال الولائية. ومن جهة ثانية إلى كيفية التعامل مع المسؤولين القضائيين وكيف يتعامل مع زملائه، ومع كتاب الضبط، وهيئة الدفاع، والعموم. ومن جهة ثالثة إلى الإلمام بأخلاقيات المهنة وأدبياتها 14 deontologie، وكذا معرفة طقوس التداول وكيف يتعامل مع الرأي المخالف، وكيف يتعامل مع إخراج الملفات من المداولة وحدود ذلك، وما هي الأوامر الولائية التي يمكنه اتخاذها، ويحتاج إلى أمر أبلغ من ذلك وهو تمرسه على صناعة حكمه، هذه الصناعة التي سنقف لاحقا على خضوعها للمنهج العلمي والمنطق القانوني، وكيف أن فرنسا قطعت أشواطا في هذا الشأن، وكرست فقهاء وقضاة لتحديث منهجية تحرير الحكم القضائي.
ولا غرو أن كثافة صناعة القضاء وتعدد مشاربها يحتاج إلى مؤلفات ودراسات، ومن هنا استوحيت فكرة تناول الموضوع في سلسلة تستغرق أطراف هذا العلم أو على الأقل حيزاً منه.
والأكيد أن أي عمل إنساني خير إنما تتولاه المشيئة الإلهية بالخلق والتقدير والهداية، وهيء له أسبابه وأناسه، ومن هذه البوتقة كان ميلاد هذا العمل، ومن أناسه الذين تولوه بالرعاية والاحتضان والتوجيه رجل يهون أن توصف طيبوبته مداد متواضع من رجل متواضع هذا الرجل الطيب هو أستاذي محمد سعيد بناني المدير العام للمعهد العالي للقضاء، الذي لمست فيه صفات تنم عن صفاء طويته ونقاء سريرته، وترجم ذلك بتشجيعي ورعاية هذا العمل وإخراجه إلى الوجود، فله معي أجر هذا العمل الذي تتوق أن لا ينقطع بالموت ويرزخ تحت مسمى "علم ينتفع به".
رابط التحميل
https://ism.ma/pdf/magazine/10p.pdf
What's Your Reaction?