كتاب النظريات الكبرى في علم الإجرام وعلم العقاب
الجريمة ظاهرة قديمة، وإن كنا لا نملك أي وثيقة تحدد بدأ تاريخها. ولكنها موجودة على الأقل، منذ بدأ التاريخ المكتوب للإنسان، الخ. فقد احتوت أغلب الشرائع القديمة قواعد في التحريم والعقاب، كما روت أساطير أخبار الكثير من الجرائم، كجرائم الكفر واغتصاب السلطة، والقتل، والحرق، والتعذيب، والسرقة وقطع الطريق، وقتل المواشي، والزنا... الخ ... وقد بدأت مشكلة الجريمة في السنوات الأخيرة تزداد حدة يوماً بعد يوم، وتحمل في طياتها خطراً كبيراً على المجتمعين المحلي والدولي، يعرف اليوم باسم "خطر الانفجار الإجرامي ". فالجريمة إلى جانب هدرها للأنفس والأموال، والحقوق والحريات، وإخلالها بأمن المجتمعات واستقرارها، صارت باهظة التكاليف وعبداً ثقيلاً على الاقتصاد القومي، تعجز أي دولة في العالم عن تحمله والإنسان لم يترك مشكلة الجريمة دون البحث عن حل لها. فقد بدأت محاولاته مع الفلاسفة القدماء، حين ناقشوا مشكلة السلوك الإجرامي، ضمن قضايا الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والاختيار والجير، ومع الأديان والشرائع التي جاهت الجرائم بعقوبات قاسية، لردع الناس، ومنعهم من ارتكاها، واستمرت هذه المحاولات في العصور الوسيطة وا
رابط التحميل أسفل التقديم:
مقدمة
الجريمة ظاهرة قديمة، وإن كنا لا نملك أي وثيقة تحدد بدأ تاريخها. ولكنها موجودة على الأقل، منذ بدأ التاريخ المكتوب للإنسان، الخ. فقد احتوت أغلب الشرائع القديمة قواعد في التحريم والعقاب، كما روت أساطير أخبار الكثير من الجرائم، كجرائم الكفر واغتصاب السلطة، والقتل، والحرق، والتعذيب، والسرقة وقطع الطريق، وقتل المواشي، والزنا... الخ ...
وقد بدأت مشكلة الجريمة في السنوات الأخيرة تزداد حدة يوماً بعد يوم، وتحمل في طياتها خطراً كبيراً على المجتمعين المحلي والدولي، يعرف اليوم باسم "خطر الانفجار الإجرامي ". فالجريمة إلى جانب هدرها للأنفس والأموال، والحقوق والحريات، وإخلالها بأمن المجتمعات واستقرارها، صارت باهظة التكاليف وعبداً ثقيلاً على الاقتصاد القومي، تعجز أي دولة في العالم عن تحمله
والإنسان لم يترك مشكلة الجريمة دون البحث عن حل لها. فقد بدأت محاولاته مع الفلاسفة القدماء، حين ناقشوا مشكلة السلوك الإجرامي، ضمن قضايا الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والاختيار والجير، ومع الأديان والشرائع التي جاهت الجرائم بعقوبات قاسية، لردع الناس، ومنعهم من ارتكاها، واستمرت هذه المحاولات في العصور الوسيطة والحديثة، إلى أن وصلت ذروتها في المائة سنة الأخيرة، وأكبر مسألة واجهت المفكرين قديماً وحديثاً، هي مسألة البحث عن سبب الجريمة، لأن مصباح الحقيقة، غاية كل باحث، وفيه مفتاح علاج السلوك الإجرامي، وهذا كان نواة الحركة علمية ضخمة سارت في اتجاهات ثلاثة: تجريدية، وتحريبية، وسياسية.
وتفرع عن هذه الاتجاهات مدارس مختلفة تقليدية، وجغرافية، وبيولوجية، ونفسية، واجتماعية، وسياسية.
ومما لا شك فيه، أن علم الإحرام يواحه، منذ نشوله صعوبات كثيرة. أهمها أن العلوم الإنسانية عامة، وعلم الإجرام واحد منها، تختلف عن العلوم الطبيعية. فهذه الأخيرة تدرس ظواهر طبيعية ثابتة، وقابلة للخضوع بصورة تامة للتجريب والملاحظة. وهذا ما يجعلها مرتبطة بمبدأي "السببية " و" الحتمية "، وخاضعة لقوانين ثابتة، وعامة ومطلقة، وموضوعية، أما العلوم الإنسانية، فتدرس ظواهر إنسانية متغيرة، لا يمكن إخضاعها للتجريب والملاحظة، بالطريقة ذاتها التي تخضع لها الظواهر الطبيعية، وبالتالي فإنه من العسير الوصول في هذه العلوم إلى قوانين ثابتة ثبوتاً قطعياً.
وعلم الإحرام بخاصة يدرس أكثر الظواهر الاجتماعية تغيراً، وهي ظاهرة الجريمة، فالجريمة نسبية سواء أكانت من صنع القانون أم كانت من صنع المجتمع تختلف باختلاف الزمان والمكان، بل وتختلف في المجتمع الواحد، من جماعة إلى جماعة أخرى، ومن فئة إلى فئة أخرى.
ونحن في كتابنا هذا ، سندرس المبادئ والنظريات الأساسية التي طرحها علم الإحرام وعلم العقاب، وذلك من خلال قسمين :
القسم الأول - وتكرسه للتعريف بعلم الإحرام وتحديد موضوعه، وبيان صلته بالعلوم الطبيعية والإنسانية، وتاريخه، وأهميته، ومناهج البحث فيه.
القسم الثاني - وتخصصه للنظريات الكبرى في سبب الجريمة وعلاج السلوك الإجرامي
للاطلاع والتحميل
What's Your Reaction?