أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية تحت عنوان مبدأ المساواة في الوظيفة العمومية المغربية
كانت المساواة وما زالت مطلبا غاليا تسعى إليه المجتمعات لتحقيق العدالة بين الناس، وناضل الأفراد في سيله على مر العصور والأزمنة، وأقاموا الثورات تهدف مواجهة التمييز المجحف الذي عانوا منه في كل البقاع الصالح الحكام أو طبقة الأعيان وأثرياء المجتمع، تمييز لم يرتبط فقط بالأصل أو الجنس أو اللون أو العقيدة أو الثروة، بل امتد إلى التمتع بالحقوق والواجبات على قدم المساواة. في الوقت الذي تمثل فيه المساواة ركيزة العدالة، باعتبار أن العدالة تهدف إلى تحقيق المساواة بين جميع أفراد الشعب أمام القانون، وعدم التفرقة بينهم في الحقوق والواجبات كلما اتحدث ظروفهم ومراكزهم القانونية . وبالتالي تكون المساواة مظهرا من مظاهر العدالة، ومرتكزا أساسيا لها، والقوما لن تستوي بدونه. وعليه، يستمد مبدأ المساواة أهميته من المكانة المركزية التي يحتلها في منظومة الحقوق والحريات، فلا مساواة بدون حرية، ولا سبيل لتمتع الأفراد بأي حق إذا لم يكن ذلك متاحا للجميع بلا تغيير أو محاباة، ومنه، يمكن القول أن مبدأ المساواة هو الأساس الذي تقوم عليه كافة الحقوق والحريات، ونظرا لهذه المكانة، فإنه في حاجة دائمة للإحاطة بمختلف الضمانا
رابط التحميل أسفل التقديم:
مقدمة
كانت المساواة وما زالت مطلبا غاليا تسعى إليه المجتمعات لتحقيق العدالة بين الناس، وناضل الأفراد في سيله على مر العصور والأزمنة، وأقاموا الثورات تهدف مواجهة التمييز المجحف الذي عانوا منه في كل البقاع الصالح الحكام أو طبقة الأعيان وأثرياء المجتمع، تمييز لم يرتبط فقط بالأصل أو الجنس أو اللون أو العقيدة أو الثروة، بل امتد إلى التمتع بالحقوق والواجبات على قدم المساواة.
في الوقت الذي تمثل فيه المساواة ركيزة العدالة، باعتبار أن العدالة تهدف إلى تحقيق المساواة بين جميع أفراد الشعب أمام القانون، وعدم التفرقة بينهم في الحقوق والواجبات كلما اتحدث ظروفهم ومراكزهم القانونية . وبالتالي تكون المساواة مظهرا من مظاهر العدالة، ومرتكزا أساسيا لها، والقوما لن تستوي بدونه.
وعليه، يستمد مبدأ المساواة أهميته من المكانة المركزية التي يحتلها في منظومة الحقوق والحريات، فلا مساواة بدون حرية، ولا سبيل لتمتع الأفراد بأي حق إذا لم يكن ذلك متاحا للجميع بلا تغيير أو محاباة، ومنه، يمكن القول أن مبدأ المساواة هو الأساس الذي تقوم عليه كافة الحقوق والحريات، ونظرا لهذه المكانة، فإنه في حاجة دائمة للإحاطة بمختلف الضمانات الكفيلة بحمايته من أي انتهاك أو تجاوز.
وعموما، تعني المساواة في صورتها المجردة عدم التمييز بين الأفراد بسبب الأصل أو اللغة أو الجنس أو الثروة أو العقيدة .... إلا أن هذا المفهوم المثالي يصطدم بالواقع العملي، ذلك لأن الأفراد مختلفون ومتمايزون من حيث القدرات والاستعداد الفطري والسمات الشخصية الأخرى، وهذا ما يقتضي من المشرع أن يأخذ بعين الاعتبار هذا التباين والاختلاف في وضع وتكييف النصوص القانونية عموما.
ومبدأ المساواة ليس وليد الدساتير الحديثة بل تمتد جذوره إلى عصور قديمة، فقد غرف في بلاد الإغريق حيث تم تطبيقه على الأفراد، وبصفة خاصة في شغل الوظائف العامة ولاسيما الوظائف القضائية، وفي اليونان الحصر مبدأ المساواة في حق إبداء الرأي وحرية التعبير وحق التصويت في المجالس المختلفة وفي تولي الوظائف العامة، أما في مصر الفرعونية، فقد عرف مبدأ المساواة بين الرجال والنساء في مجال تولي الوظائف العامة بما فيها المناصب العليا، إلا أن ذلك كان مقصورا على الأسرة المالكة فقط.
كما عرف هذا المبدأ أيضا في النظام الإسلامي وبوجه خاص في مجال شغل الوظائف العامة، وكفل الإسلام للمرأة المساواة التامة مع الرجل من حيث الحقوق والواجبات، ولم يقرر التفاضل بينهما إلا من حيث الاستعداد أو الخبرة أو المسؤولية، كما اهتم بالكفاءة التولي المناصب العامة دون أن يقحم العلاقات الشخصية أو القرابة أو الانتماء إلى جنس أو عرق معين في هذا المجال.
وفي الوقت الحاضر، يعتبر مبدأ المساواة من المبادئ العامة للقانون نظرا لما يتميز به من أهمية، فحرصت مختلف الدول على دسترته، وأصبح يتصدر جميع إعلانات الحقوق العالمية والمواثيق الدولية، كما يشهد اهتماما خاصا على مستوى التشريع الداخلي، مما ييور ضرورة التأصيل له فقها وتشريعا وقضاء، ودراسة مختلف الاستثناءات الواردة عليه وكذا مظاهر الإحلال التي يتعرض لها عند تطبيقه.
وبما أن الضرورة المنهجية تقتضي التطرق بداية إلى المفاهيم الأساسية للموضوع، أهمية ودوافع اختياره وإلى إطاره العام سيتم تعريف المساواة والبحث في مظاهر تطوره كمفهوم وتحق مكتسب في العديد من المجالات، ثم تقديم مفهوم الوظيفة العمومية وتحديد مختلف سماتها واتجاهاتها. وذلك قبل الانتقال إلى تحديد الإشكالية الأساسية للبحث والمنهجية المتبعة لمعالجتها، وكذا المناهج وأدوات البحث المعتمدة.
ا تحديد المفاهيم الأساسية
ما معنى "المساواة ؟ ما هي تجلياتها، مجالات تطبيقها ومظاهر تطورها ؟ ثم ماذا يعني مفهوم الوظيفة العمومية؟ وما هي مختلف تقسيماتها ؟ وأخيرا، ماذا يقصد بمبدأ المساواة في الوظيفة العمومية؟
أولا: مفهوم المساواة
المساواة لغة: من "سوال" الشيء أي مثله، والجمع "أسواء"، واستوى الشيئان وتساويا أي تماثلا، ويقال ساوى الشيء أي عادله، ثم يقال فلان وفلان سواء أي متساويان.
واصطلاحا، فقد تطور وتحدد مفهوم المساواة بحسب الظروف والأحوال، وتعني بصفة عامة؛ عدم التمييز بين من تماثلت مراكزهم القانونية، دون أن يقوم هذا المبدأ على معارضة جميع صور التمييز بصفة مطلقة، خاصة بالنسبة للحالات التي تستدعي حماية خاصة مراعاة للعدل والإنصاف والتضامن بين أفراد المجتمع.
ومن هنا برزت العديد من التعاريف المبدأ المساواة، والتي تمحورت بين المساواة القانونية والمساواة الفعلية، ثم المساواة المطلقة والمساواة النسبية... وكلها تترجم مراحل التطور التي عرفها هذا المبدأ عبر العصور في محاولة التكييفه مع الظروف والوضعيات المختلفة.
حيث تعني المساواة القانونية أن يطبق قانون واحد على الجميع دون تفرفة أو تمييز بينهم بسبب اختلاف الجنس أو الأصل أو العقيدة الدينية أو الانتماء السياسي، إلا أن هذا لا ينفي عنها طابع النسبية، على أساس أنه لا يتعارض مع مبدأ المساواة اختلاف المعاملة تبعا لاختلاف المراكز القانونية للأفراد، أو بناء على سبب معقول ومنطقى يتعلق بالمصلحة العامة، ولهذا يمكن القول بأن المساواة التي تهدف إلى تحقيقها عمومية القاعدة القانونية هي مساواة النسبية.
للاطلاع والتحميل
What's Your Reaction?