مقال بعنوان إستقلال القضاء بين المفاهيم الدولية والمقتضيات الوطنية

يعتبر مبدأ استقلال القضاء من بين أحد المفاهيم الأكثر إثارة للجدل والخلاف ، وسنحاول أن تعرض للمفهوم وتأصيله التاريخي وأهميته في بناء الدولة الحديثة، واعتباره أحد أهم المفاهيم التي تكرس دولة الحق والقانون وعمادا من أعمدة الديموقراطية بحيث من المستقر عليه في القانون الدستوري أن الدولة الحديثة تقوم على مبدأ الفصل بين السلط . مبدأ استقلال القضاء في البت في الخصومات التي يبتون فيها مبدأ قديم عرفته جل الحضارات القديمة ، وكانت تعرفه أيضا الشريعة الإسلامية .

مقال بعنوان إستقلال القضاء بين المفاهيم الدولية والمقتضيات الوطنية

رابط التحميل أسفل التقديم:

تقديم

يعتبر مبدأ استقلال القضاء من بين أحد المفاهيم الأكثر إثارة للجدل والخلاف ، وسنحاول أن تعرض للمفهوم وتأصيله التاريخي وأهميته في بناء الدولة الحديثة، واعتباره أحد أهم المفاهيم التي تكرس دولة الحق والقانون وعمادا من أعمدة الديموقراطية بحيث من المستقر عليه في القانون الدستوري أن الدولة الحديثة تقوم على مبدأ الفصل بين السلط .
مبدأ استقلال القضاء في البت في الخصومات التي يبتون فيها مبدأ قديم عرفته جل الحضارات القديمة ، وكانت تعرفه أيضا الشريعة الإسلامية .

والتأصيل التاريخي الحديث لهذا المفهوم يعود لمبادئ المفكر الفرنسي مونتيسكيو ومبادئ الثورة الفرنسية حول فصل السلط ، والتي جعلت من مبدأ فصل السلط وتوازنها الأساس في الديموقراطيات الحديثة. و في هذا السياق نستعير تعبير الكاتب الفرنسي ( مونتسكيو ) مؤلف كتاب روح الشرائع الذي كان له تأثير كبير في تطور الدستور الفرنسي إبان الثورة الذي قال : ( ان الحرية تنعدم ان لم تكن سلطة القضاء منفصلة عن سلطة التشريع لأن حرية ابناء الوطن وحياتهم تصبحان تحت رحمتها ما دام القاضي هو المشرع, اما اذا كانت السلطة القضائية متحدة مع السلطة التنفيذية فان القاضي يكون طاغيا . ) . وهذا المبدأ أخذت به جل التشريعات المقارنة وتم تكريسه في عدة أوفاق دولية حتى أصبح المبدأ جزءا من نظرية عالمية بشأن التنظيم السياسي والقانوني للدولة المعاصرة.

واستقلال القضاء يعني في مفهومه تحصين السلطة القضائية من البت في القضية دونما تأثير خارجي ، وهو مبدأ يعني استقلال السلطة القضائية بمفهوم مؤسساتي واستقلال القاضي كفرد فهو قاعدة تنظم علاقة السلطة القضائية بغيرها من سلطات الدولة ، قائمة على أساس عدم التدخل من قبل باقي سلطات الدولة في أمور القضاء ، وذلك بإعطائه سلطة دستورية مستقلة عن باقي السلط. وهو بهذا المفهوم يعني انحصار الوظيفة القضائية بالقضاء وعدم تدخل السلطتين التنفيذية والتشريعية فيه، وكذا عدم تأثره بأي مؤثرات ، مما يجعله متمتعا بحرية إصدار الأحكام في المسائل المعروضة عليه بعيدا عن أي تدخل أو مضايقة أو تأثير، بحيث لا يحكم في الوقائع المعروضة عيه إلا بموجب القانون.

وفي النظام الإنجليزي فإن استقلال القضاء يعرف من خلال منعه من العمل في السياسة وأن لا ينخرط في مجالات سياسية ، وعدم السماح لمشاعره السياسية أن تؤثر في حكمه ، كما أنه ممنوع من الترشح لعضوية البرلمان، وفضلا عن ذلك فرواتب القضاة تدفع من صندوق خاص مما يجعله مستقلا ماليا عن الحكومة.

وستحاول أن تعرض في هذا العرض المقومات الاستقلال القضائي كما متعارف هو عليه دوليا في الصكوك. والإعلانات الدولية ذات الصلة وكذا القوانين المقارنة، قبل أن نعمد إلى دراسة مقومات هذه الاستقلالية في الترسانة القانونية المغربية . إذ سنقوم بدراسة مقارنة أفقية يقينا منا بما للدراسة المقارنة الأفقية من أهمية قصوى لفهم قانوننا ومدى السجامه والقوانين المقارنة، وهو ما ستعرض له في مبحثين.

المبحث الأول: المفاهيم الدولية لمبدأ استقلال السلطة القضائية.

المطلب الأول: الترسانة القانونية:

الفقرة الأولى الصكوك الدولية

جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 على انه ( ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكي لا يضطر المرء أخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم ونصت المادة الثامنة من الإعلان على انه ( لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية. لإنصافه عن أعمال فيها اعتناء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون ) ومن هذه الحقوق الأساسية حق الإنسان في الحياة وحقه في سلامة بدنه وكيانه الاعتباري وحقه في المحافظة على أمواله وحقه في إثبات براءته من التهمة المنسوبة له .... كما نصت المادة التاسعة على انه ( لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا ). ونصت المادة العاشرة على مبدأ المساواة ( لكل إنسان الحق على قدم المساواة التامة مع الآخرين. في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظرا عادلا علنيا للفصل في حقوقه والتزاماته وفي آية تهمة جنائية توجه وجاء في المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 على " أن الناس جميعا سواسية أمام القضاء". ويضيف العهد أن من حق كل فرد لدى الفصل في أي تهمة جزائية توجه إليه ، أو في حقوقه والتزاماته في أي دعوى مدنية ، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة وحيادية منشأة بحكم القانون، وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان على نحو لا لبس فيه أن " حق الفرد في أن يحاكم من طرف محكمة مستقلة ومحايدة حق مطلق و لا يخضع لأي استثناء. أي أنه يطبق في جميع الظروف وعلى جميع المحاكم عادية كانت أو استثنائية.

و عرف الاعلان العالمي لاستقلال القضاء الصادر عن مؤتمر مونتريال المنعقد عام 1983 استقلال القضاء بانه : ( حربه القاضي في الفصل في الدعوى دون تميز أو الخضوع لأية ضغوط أو إغراءات و يكون القضاة مستقلين تجاه زملائهم و اتجاه روؤسائهم وتكون السلطة القضائية مستقلة عن السلطنيين التشريعية والتنفيذية واعادة النظر في الاحكام القضائية من اختصاص السلطة القضائية وحدها و يحظر النشاء المحاكم الاستثنائية، و لكل شخص الحق في التقاضي أمام المحاكم العادية و تنحصر صلاحيات المحاكم العسكرية في الجرائم التي يقترفها عناصر القوات المسلحة مع بقاء الحق دوما في استئناف قرارات هذه المحاكم امام محاكم استئنافية ضالعة في الشؤون القضائية . للقضاء ولاية على كافة المنازعات. ولا يجوز الحد منها والقضاة غير قابلين للعزل و يخضعون في تاديبهم الضوابط صارمة و لا يحوز ازعاج القاضي بسبب عمله ويحظر على القضاة عضوية الاحزاب السياسية ... ) ..

الفقرة الثانية : مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بشأن استقلال القضاء :

وهي المبادئ المعتمدة بقراري الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 32/40 في 29 نوفمبر 1985 ، ورقم 146/40 في 13 دجنبر 1985 ، وقد نصت هذه المبادئ على المبادئ الأساسية المتعلقة باستقلال القضاء ومن أهم هذه المبادي:
1 تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية وينص عليه دستور البلد أو قوانينه ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية.

2 - تفصل السلطة القضائية في المسائل المعروضة عليها دون تحيز، على أساس الوقائع ووفقا للقانون ، ودون أية تقييدات أو تأثيرات غير سليمة أو أية إغراءات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات ، مباشرة كانت أو غير مباشرة ، من أي جهة أو لأي سبب

3- تكون للسلطة القضائية الولاية على جميع المسائل ذات الطابع الفضائي كما تنفرد بسلطة البت فيما إذا كانت. آية مسألة معروضة عليها للفصل تدخل في نطاق اختصاصها حسب التعريف الوارد في القانون

- لا يجوز أن تحدث أية تدخلات غير لائقة ، أو لا مبرر لها ، في الإجراءات القضائية ولا تخضع الأحكام القضائية التي تصدرها المحاكم الإعادة النظر ولا يخل هذا المبدأ بإعادة النظر القضائية أو بقيام السلطات المختصة وفقا للقانون ، بتخفيف أو تعديل الأحكام التي تصدرها السلطة القضائية.

5 لكل فرد الحق في أن يحاكم أمام المحاكم العادية أو الهيئات القضائية التي تطبق الإجراءات القانونية المقررة. ولا يجوز إنشاء هيئات قضائية . لا تطبق الإجراءات القانونية المقررة حسب الأصول الخاصة بالتدابير القضائية ، لتنتزع الولاية القضائية التي تتمتع بها المحاكم العادية أو الهيئات القضائية.

6 - يكتل مبنا استقلال السلطة القضائية لهذه السلطة ويتطلب منها أن تضمن سير الإجراءات القضائية بعدالة . واحترام حقوق الأطراف.

7 - من واجب كل دولة عضو أن توفر الموارد الكافية لتمكين السلطة القضائية من أداء مهامها بطريقة سليمة.

8 - وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يحق لأعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين التمتع بحرية التعبير والاعتقاد وتكوين الجمعيات والتجمع، ومع ذلك يشترط أن يملك القضاة دائما ، لدى ممارسة حقوقهم . مسلكا يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة واستقلال القضاء
و - تكون للقضاة الحرية في تكوين جمعيات للقضاة وغيرها من المنظمات لتمثيل مصالحهم والنهوض بتدريبهم المهني وحماية استقلالهم القضائي، وفي الإنضمام إليها.

10 - يتعين أن يكون من يقع عليهم الاختبار لشغل الوظائف القضائية أفرادا من ذوي النزاهة والكفاءة .
وحاصلين على تدريب أو مؤهلات مناسبة في القانون ويجب أن تشتمل أي طريقة لاختيار القضاة ، على ضمانات ضد التعيين في المناصب القضائية بدوافع غير سليمة ولا يجوز عند اختيار القضاة، أن يتعرض أي شخص للتمييز على أساس العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين أو الآراء السياسية أو غيرها من الآراء ، أو المنشأ القومي أو الاجتماعي، أو الملكية أو الميلاد أو المركز، على أنه لا يعتبر من قبيل التمييز أن يشترط في المرشح الوظيفة قضائية أن يكون من رعايا البلد المعني، شروط الخدمة ومدتها.

رابط التحميل

https://bibliotheque.cspj.ma/uploads/files/etudes/49e51f6f-ce07-4bce-9d09-a8467e72e2a9.pdf

What's Your Reaction?

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0