تطبيق تكنولوجية الذكاء الإصطناعي تشات جي بي تي ChatGPT ومدى أثرها
يُشكّل تقاطع الذكاء الاصطناعي (AI) والقانون مشهدًا قانونيًا يتسم بالتحول السريع، حيث يطرح فرصًا وتحديات على حد سواء. ومع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، تتطور تطبيقاتها في القطاع القانوني بشكل ملحوظ، لتقدم وسائل مبتكرة لتعزيز الكفاءة والدقة وتحسين إمكانية الوصول إلى الخدمات القانونية. تستكشف هذه المقالة أحدث اتجاهات الذكاء الاصطناعي ذات الصلة بالصناعة القانونية، مسلطة الضوء على كيفية إعادة هذه الابتكارات تشكيل الممارسة القانونية.
رابط التحميل أسفل التقديم:
تقديم:
إن التطورات التي عرفها العالم ولازال يعرفها على جميع الأصعدة سواء الاقتصادية أو السياسية وحتى القانونية، جعلت القانون الجنائي الكلاسيكي لا يستوعب هذا الكم من التحولات، الشيء الذي تستلزم البحث عن حلول ناجعة لذلك. ولعل أكثر الميادين التي استدعاء هذه الحلول، مجال التكنولوجيا الذي خلق أنماط جديدة للإجرام تمتد آثارها للمس بالمصالح الاجتماعية والاقتصادية للدول والمجتمعات، بل تعدتها للمس بالحياة الخاصة لهم والاعتداء عليها. فظهر الذكاء الاصطناعي ليرمي بظلاله على مجال القانون معلنا التحدي لجميع قواعده، خصوصا المرتبطة بالمادة الجنائية لارتباطها بالنظام العام وشخصية المسؤولية والعقاب.
قد يبدو من السهل تعريف الذكاء الاصطناعي، إلا أن الحقيقة عكس ذلك، خصوصا عند محاولة ربطه بأحد العلوم الأخرى كالقانون الجنائي مثلا. فالذكاء الاصطناعي كما يعرفه البعض بأنه محاكاة لطريقة تفكير الإنسان باستعمال علم الحاسوب. في حين يصفه -John McCarthy- بأنه تقنية لجعل الآلة تفكر وتستدل كالإنسان[1]. كما عرفت لجنة الأمم المتحدة للتجارة الدولية في مؤتمرها الواحد والخمسون لسنة 2018، الذكاء الاصطناعي بأنه تطوير أنظمة قادرة على حل المشاكل وإنجاز العمليات بشكل مستقل بمحاكاة العمليات العقلية للإنسان. كما يمكن تعريفه بأنه هو فرع من علوم الحاسوب مهتم بدراسة وتطوير أنظمة معلوماتية تحاكي الذكاء البشري وتفهم اللغات الطبيعية اللازمة لتطوير قدراتها من بينها قدرتها في اتخاذ القرار[2]، وهذا هو التعريف المناسب الذي يجب أن يعمل به أو بأمثاله من التعريفات، ذلك أن الذكاء الاصطناعي ليس هو كل محاولة لمحاكاة البشر أو ليس هو بكل آلة تستطيع إنجاز عمليات بشكل مستقل، بل هو علم ولغات برمجة عالية التقنية تمكن الآلة من التعلم والتفكير واتخاذ القرار.
أما القانون والتشريع الجنائي على وجه الخصوص، فهو مجموع القواعد التي تنظم حياة وتصرفات الافراد داخل المجتمع تحت ذريعة العقاب[3]. وبالتالي نصل لمرحلة تكوين العلاقة بين القانون الجنائي والذكاء الاصطناعي. فهذا الاخير هو تكنولوجيا تدخلت عميقا في حياة البشر ما نتج عنه ظهور إشكالات تتعلق بالتنظيم القانوني والاثار القانونية الناتجة عن هذا التداخل، خصوصا فيما يتعلق بالمسؤولية القانونية للذكاء الاصطناعي في شقها الجنائي، ذلك أنه اتضح أن الذكاء الاصطناعي له القدرة على ارتكاب مجموعة من الجرائم سواء بشكل مستقل أو بصفته أداة لارتكابها، لكن تطبيق القان الجنائي على هذه الجرائم طرح مجموعة من التحديات.
وقد ظهرت بعض النظريات والاتجاهات التي تحاول معالجة هذه التحديات منها:
الاتجاه الأول: هو اتجاه مبني على نظرية الفاعل البشري، وهو السائد حاليا والذي يعتبر الذكاء الاصطناعي مجرد شيء وأداة، وأن جميع الآثار القانونية يتحملها الإنسان سواء المبرمج أو المهندس أو المستخدم (...)، ذلك أن الانسان لابد له من التدخل في الذكاء الاصطناعي ولابد له من العلم بما سيفعله وتوقع ما سيفعله. فهو اتجاه يُغلِب الفلسفة التقليدية للقانون الجنائي. كما أنه اتجاهه اثبت الواقع العملي عدم كفايته بمجموعة من الوقائع لم يستطع فيها القضاء إثبات أركان الجريمة للإنسان بل نسبها كلها للذكاء الاصطناعي. فعلى الرغم على أنه اتجاه مبني على القواعد القانونية الحالية إلى أنه ينافي منطق عمل الذكاء الاصطناعي ومنحى تطوره، ولا بد من وضع الدلائل القانونية والعلمية الكافية لتوضيح هذا الرأي.
الاتجاه الثاني: اتجاه مبني على نظرية استقلال الذكاء الاصطناعي بصفته فاعل رقمي مستقل على الفاعل الإنساني، وهو ما يستدعي التأسيس لشخص قانوني جديد يتوفر على الشخصية القانونية الرقمية وذمة مالية ونية أو قصد ووعي افتراضي تمكنه من اكتساب حقوق وتحمل واجبات والمسؤولية الناتجة عن افعاله. ولعله الاتجاه الأقرب للصواب، والذي سنحاول الدفاع عنه بالحجج القانونية والدلائل العلمية اللازمة. وعلى الرغم من عدم قدرة بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي حاليا التصرف بوعي وإرادة تامة، إلا انها تظهر بوادر هذه الصفات وهي في تطور متسارع سيؤدي إلى ظهور هذه الأنظمة الفائقة الذكاء في المستقبل القريب، وعلى القانون استشراف المستقبل لمواكبة التطور.
الاتجاه الثالث: هو اتجاه توفيقي بين الاتجاهين أعلاه، يقضي بوضع مسؤولية متشاركة بين الأطراف المشاركة في صنع واستخدام الذكاء الاصطناعي بالإضافة إلى مسؤوليته الرقمية.
يمكن أيضا إبراز بعض التقاطعات بين القانون الجنائي والذكاء الاصطناعي والتحديات التي نتجت عبر مجموعة من النوازل، نذكر منها:
1 - في بعض جرائم الذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن يرتكب بعض الجرائم بإرادة منفردة بعيدا عن الإرادة البرمجية المعطاة له وبعيدا عن تحكم المالك أيضا، ولعل أوضح مثال علي قدرة الروبوت علي ارتكاب جرائم ما حدث في اليابان عام 1981 حيث قتل موظف ياباني يبلغ من العمر 37 سنة يعمل في مصنع -Kawazaki- دراجات نارية علي يد إنسان الي يعمل بالقرب منه، حيث اعتبر الأخير خطأ أن الموظف يهدد إتمام مهمته وظن أن الطريقة الأكثر فعالية للقضاء علي هذا التهديد من خلال دفعه باستخدام ذراعه الهيدروليكي القوي ليصطدم بألة تشغيل تجاوره أودت بحياة العامل على الفور واستأنف الروبوت مهامه وكأن شيئا لم يحدث[4]. ففي هذه النازلة على الرغم من أن الروبوت كان يعمل بخوارزميات ذكية بدائية، إلا أن الحادثة نتجت عن منطق تفكيره
2 - في نازلة بث فيها القضاء الأمريكي (المحكمة الفديراليا العليا) تدور أطوارها حول حادثة اضطراب في أسعار بعض الأوراق المالية إثر قيام خوارزمية التداول بإعادة تغريد بيانات كاذبة ومضللة حول بعض الأسهم على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي، وقد قررت المحكمة انتفاء الجريمة بالنسبة لمبرمج الخواريزمية لانتفاء نية المبرمج في حدوث الجريمة، أي انتفاء إرادته وعلمه بالجريمة، كما قبلت المحكمة دفاع المدعى عليه حول انتفاء نية التلاعب لدى مصمم الخوارزمية لأن إعطاء البرنامج إمكانية الدخول إلى موقع تويتر ليس دليل على إعطائه إمكانية إعادة تغريد البيانات، فقد تعلمها البرنامج نتيجة الممارسة ولم تكن جزءا من تصميم البرنامج مما فجأ المبرمج لأنه لم يصممها أبدا لاستخدام حساب تويتر بهذه الطريقة[5].
[1] MISHAEL MOHAMMAD AL-RAGGAD and others: « THE SYSTEM OF SMART ROBOTS AND THE ISSUES IT RAISES WITHIN THE SCOPE OF CRIMINAL LIABILITY», the sybold report, vol 18 , p 573.
[2] Ibid.
[3] Jean detienne : « Droit pénal des affaires », de boeck professional publishing, belguim, 1989, p 14.
[4] CS Chaitali Jani and Dr S.P Rathor : «A LEGAL FRAMEWORK FOR DETERMINING THE CRIMINAL LIABILITY AND PUNISHMENT FOR ARTIFICIAL INTELLIGENCE», Journal of propulsion technology, vol. 45, n°1, year 2024, p 809.
[5] أروى محمد حسن عبد الدين، المسؤولية الجزائية الناجمة عن استخدام الذكاء الاصطناعي في التشريع الأردني، رسالة لنيل دبلوم الماجستير في القانون، كلية القانون، جامعة إربد الأهلية، الأردن، سنة 2022، ص 49.
للاطلاع والتحميل
What's Your Reaction?